أحمد ياسوف
264
دراسات فنيه في القرآن الكريم
حلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته ، قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه ، قال : فدعني حتى أفكر ، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر يأثره من غيره ، فنزلت : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [ المدثر : 11 ] » « 1 » . فثمة مقولات هنا تعنى بالمحتوى وتشي به وتلمح إلى الأفكار التي يأتي بها الشعر ، إنه يعرف الغرائبية في أشعار الجن ، لكن الأوصاف الغيبية المبسوطة في القرآن الكريم غير ما يعرف الوليد . أما سائر الكلام فمقولات عالقة بالشكل ومتصلة بتقنية الإبداع الشعري من شكل البيت وشطريه ومن موسيقاه الداخلية ، ومن موسيقاه الخارجية المتجلية في تكرار القوافي ، هذه معرفة وتقنية ، لكن القرآن الكريم جاء انزياحا أسلوبيا في التركيب والنسق الموسيقى فضلا عن المقاصد الشريفة التي سجّلها للبشرية . لقد تناقل دارسو الإعجاز هذه العبارة بلا تعمّق في ماهية الكلمات وأبعادها ، فلا شك أنها تمثل نظرة فنية عميقة ، ووعيا للأثر الموسيقى ، فالرجل مدرك بفطرته ميزات ما يسمع واختلافه عما عهد ، فيقدّم رأيا معياريا ، إنه يريد بالحلاوة سهولة النطق بمفردات القرآن ، وهذا يتأتّى من جنس الحروف ونسقها وانسيابها ولينها ، وهو رقيق حلو لدى القارئ والسامع ، ولعلّه يؤكد هذه المزيّة من خلال ذوقه بوصفه « مثمرا أعلاه » ، فإذا كان هذا العلوّ هنا هو اللحن المختوم في الفواصل التي تتخذ لها أردافا ، فإن « الغدق أسفله » هو الموسيقا الداخلية المبثوثة فيما قبل الفاصلة ، فهناك إذن تلذّذ في النطق والسمع ، وفي البداية والنهاية ، وذكر الوليد للمساحة مستمدّ من فهمه لشكل البيت الشعري ، ففيه ضرب وعروض
--> ( 1 ) المستدرك : 2 / 506 ، سيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ابن هشام : 1 / 283 والإتقان : 2 / 253 .